الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

94

الأخلاق في القرآن

فهؤلاء يجهلون حتّى الحياة الدنيا أيضاً وبدلًا من أن يجعلونها مزرعة الآخرة وقنطرة للوصول إلى الحياة الخالدة ونيل المقامات المعنوية وميداناً لممارسة السلوكيات الّتي تصعد بهم في سُلّم الفضائل الأخلاقية ومدارج الإنسانية ، يتخذون الدنيا بعنوان انها الهدف النهائي والمطلوب الحقيقي والمعبود الواقعي لهم ، ومن الطبيعي أنّ مثل هؤلاء الأشخاص يعيشون الغفلة عن الحياة الأخرى . ويقول القرآن الكريم في آية أخرى : « أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ » « 1 » ثمّ تضيف الآية « فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ » « 2 » أجل فإنّ الأشخاص الّذين يعيشون ضيق الأفق ومحدودية الفكر فإنهم يرون الدنيا كبيرة وواسعة وخالدة وينسون الحياة الأخرى الأبدية الّتي قرّرها اللَّه تعالى لحياة الإنسان الكريمة والمليئة بالمواهب الإلهية والنعيم الخالد . 4 - ونقرأ في قسم آخر من الآيات الكريمة أنّ الدنيا هي ( عرض ) على وزن ( غرض ) بمعنى الموجود المتزلزل والّذي يعيش الاهتزاز والتغير والتبدل في جميع جوانبه وحالاته ، ومن ذلك قوله تعالى « تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ » « 3 » . وتقول الآيات في مكان آخر مخاطبة لأصحاب النبي الأكرم . . . تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ . . . « 4 » . وفي آيات أخرى نجد هذا التعبير أيضاً حيث يدلّ على أنّ جماعة من المسلمين أو غير المسلمين وبدافع من الحرص والطمع تركوا الاهتمام بالمواهب الإلهية الخالدة والحياة الأخرى والقيم الإنسانية العالية واشتغلوا في جمع زخارف الدنيا الزائلة واشباع الملذات

--> ( 1 ) . سورة التوبة ، الآية 38 . ( 2 ) . سورة النساء ، الآية 94 . ( 3 ) . سورة النساء ، الآية 94 . ( 4 ) . سورة الأنفال ، الآية 67 .